عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
150
الإيضاح في شرح المفصل
تعالى : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ « 1 » ، والمراد كلّ عبد مؤمن ، ومثل ذلك ليست الصفة فيه بمصحّحة للابتداء [ على الانحصار ] « 2 » ، بل مثلها في قولك : « في الدار رجل عالم » ، والذي يصحّح ذلك صحّة قولك : « رجل خير من امرأة » ، وقولهم : « تمرة خير من جرادة » ، وذلك جار في كلّ نكرة لم يقصد بها واحد مختصّ ، وكان « 3 » في معنى العموم ، وذلك مصحّح مستقلّ . وإمّا غير موصوفة ، كالنكرة الداخلة عليها همزة الاستفهام وأم المتّصلة ، فإنّها إذا دخلت عليها دلّت على أنّ المتكلم « 4 » عالم بإثبات الحكم لأحدهما « 5 » ، إلّا أنّه لا يعلمه بعينه ، فهو يسأل عن التّعيين « 6 » ، وإذا كان الحكم معلوما صار الخبر في المعنى كوصف ، فكانت في المعنى كنكرة موصوفة . وإمّا نكرة في سياق النّفي ، كقولهم : « ما أحد خير منك » ، فإنّ النكرة في سياق النفي تعمّ ، وإذا عمّت كانت للجميع ، فكانت في المعنى كالمعرفة « 7 » . وإمّا أن تكون في كلام مقدّر بالفاعل ، كقولهم : « شرّ أهرّ ذا ناب » « 8 » ، فإنّ معناه ما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ ، وإذا كان في معنى الفاعل صحّ الابتداء به ، لأنّ الفاعل محكوم عليه قبل ذكره ، فكأنّه موصوف ، فالوجه الذي صحّ الإخبار به عن الفاعل هو المصحّح للابتداء بالنكرة التي في معنى الفاعل ، ومنه « شرّ يجيئك « 9 » إلى مخّة عرقوب » « 10 » ، يضرب في شدّة الضرورة المحوجة إلى ما لا
--> ( 1 ) البقرة : 2 / 221 ، الآية : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ . ( 2 ) سقط من الأصل . ط . وأثبته عن د . ( 3 ) في د . ط : « فكان » . ( 4 ) في ط : « المتعلم » ، تحريف . ( 5 ) أجاز النحاة الابتداء بالنكرة إذا سبقها همزة الاستفهام ، وقيّد ابن الحاجب ذلك بدخول « أم » المتصلة ، وهو في ذلك مخالف للنحويين ، انظر ردّ الرضي وابن هشام عليه في شرح الكافية للرضي : 1 / 89 - 90 ، ومغني اللبيب : 522 . ( 6 ) في ط : « المتعين » . ( 7 ) جاء بعدها في د : « لأن الجميع معلوم عند كل أحد » . ( 8 ) انظر الكتاب : 1 / 329 والخصائص : 1 / 319 ، ومجمع الأمثال : 1 / 370 واللسان ( هرر ) . يقال : أهرّه إذا حمله على الهرير ، وهذا مثل يضرب في ظهور أمارات الشرّ ومخايله ، انظر مجمع الأمثال : 1 / 370 . ( 9 ) في د : « لجأك » . ( 10 ) روايته في مجمع الأمثال : 1 / 358 واللسان ( مخخ ) : « شرّ ما يجيئك إلى مخّة عرقوب » وفي المستقصى : 2 / 131 « شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب » ، قال الميداني : « أجأته إلى كذا : أي : ألجأته ، والمعنى : ما ألجأك إليها إلا شر ، أي : فقر وفاقة ، وذلك أنّ العرقوب لا مخّ له وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء ، -